بسم الله الرحمان الرحيم،
يأتي هذا المقال في إطار حملتنا الأولى "ضد الغش" والتي يرفعها نادي الفنون والعلوم الإسلامية تحت شعار "رسالتنا إلى طالب الدراسات الإسلامية .. تحمل أمانتك"
     أخي الطالب، "ليس منا من غش" و"ليس منا من غشنا" و "من غش فليس منا" "من غشنا فليس منا" و "لا تحل الخلابة لمسلم " الخلابة هي الغش والخديعة، كلها ألفاظ ومتون تناولتها كتب السنة، وأهل الْعِلْمِ كَرِهُوا الْغِشَّ وَقَالُوا الْغِشُّ حَرَامٌ."
      وكل ذلك لا يحتاج منا إلى كثر فهم ولا إلى الى عظيم معرفة بل إلى تدبر قليل لنكتشف أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدرنا من الغش، وإن كان سبب ورود الحديث هو البيع، عند زيارته صلى الله عليه وسلم للسوق، حين مر بجانب رجل يبيع طعاما، فأدخل يده الشريفة فيه، فأخرج شيئا منه ليس ظاهرا فوجده غير الذي في الظاهر فقال له ما قال. إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند أهل الأصول من علماءنا،
      أخي طالب العلم، أي زيف هذا الذي نريد أن نُروج له؟ وأي نتيجة نروم تحقيقها ونزعم الجري خلفها، بتحايلنا هذا؟ وأي عار هذا الذي نأتيه بأرجلنا ومُبصرين لا عُميان؟
طاقات من أبنائنا بمستنقعات تحوي ماء آسن ركنوا...
كفاءات عليا في لج البطالة غرقوا...
نخب تحت وطأة الاقصاء اندرسوا...
نُخب وصفوة في دركات سفلى نُزّلوا...
ونهتف مع الهاتفين، أين العدالة وأين الأمانة و أين الكفاءة وأين ..أين ...،كل ذلك من هنا يبدأ مع طالب العلم، من قاعة الامتحان، وأمام مراقبة المراقب ومراقبة رب المراقب، من تلك اللحظة التي قد نعتقد أنها لحظة النصر والانعتاق والفرج، لكن هيهات هيهات... اعتقاد خَرم، وأفكار أصابها الخَرف.
      أخي الطالب، ألا تبصر معي أن الأرواح تَعْرُجُ لباريها في كل يوم بل كل لحظة وهنيهة؟ في المستشفيات والطرقات... والمصانعُ والمعاملُ والمنازلُ تسقط على رؤوس العُزّل والسيدات... وغرق السفن وتحطم الطائرات... وضياع مظالم الناس بأتفه العبارات... فخسران السيادة والريادة والتقدم في هذه الدنيا، وفي الآخرة أعظم الخسارات؟
     أي ملة، أي شرعة، أي عقيدة ومذهبية، بل أي دين أماء أو لمَّح فبالأحرى دعا إلى هذا الظلم البواح، بلا ريب، فكل شرائع الدنيا ترفض وتنبذ هذا الفعل، فقد جمع أفتك المصائب وأعظم الرزايا وأشد البلايا، فالغش: ظلم وعدوان أفلا يكفيك أن الله تعالى يقول: {        } والهلاك نتيجة للظلم بلا شك، وفي الحديث: "الظلم ظلمات يوم القيامة"و" اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". والغش كذلك: مكر وخيانة وخديعة، وتحايل، قال تعالى: {               }،
       توقف معي لحظة أخي الطالب مع قيس بن سعد رضى الله عنه حين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المكر والخديعة في النار"، فهل بعد ذلك من ضلال أخي الطالب.
      واسمع معي إلى ما أورده عبادة بن الصامت حين قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: "المكر والخيانة والخديعة في النار، ومن الخيانة أن يكتم الرجل أخاه ما لو علمه كان عسى أن يدرك به خيرا، أو ينجو به من سوء"
      وها هو مجاهد يقول: "المكر والخديعة والخيانة في النار، وليس من أخلاق المؤمن المكر ولا الخيانة"، أليس ذلك من ضياع الدين؟ أقول: بلى -وأجزم أنك لن تخالفني القول-وكلنا يعلم علم اليقين أن من مقاصد الشريعة حفظ الضروريات،" ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم: دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم" ويكفي أن الدين على رأس هذه الكليات، بل إن حفظها تابع لحفظ "الدين"، فهو بمثابة التاج.
      أخي الطالب، ألا ترى معي أن "الغش" قد حوى كل هذه العيوب والنقائص –وأكثر-،
     وإذا ثبت لنا هذا، فبأي حق كسب "الغش" مشروعية الوجود بين طلاب العلم؟ وخصوصا بين طلاب الدراسات الإسلامية؟
فأي أثر للقرآن الذي نقرأ ونرتل؟ وأي تأثير للحديث والسنة والسيرة التي نتدارس؟ وأي معنى للمحاضرات التي نحضرها طيلة الموسم الجامعي؟ بئس العلم الذي لا يترتب عنه عمل.
       أخي الطالب، ألسنا من قال فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة" وبزيادة عند ابن ماجة: ، "وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا ، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ"، فأي منزلة هاته وأي فرح وأي مكرمة، بل أي شرف هذا لنا كطلاب علم.
كفاك غشّا لنفسك أيها الطالب...بئس الفعل ذاك
كفاك غشّا بتهاونك أيها المراقب...بئس التصرف ذاك
كفانا غشّا لذواتنا ولمجتمعنا ولأمتنا، ولملتنا، فكلاكما شريك في الذنب والاثم والمعصية والخيانة...
     أخي الطالب، أنت وأنا ونحن، هم النخبة والصفوة، فكفانا خرما لهذه المزية التشريفية التكليفية، فمنا الأستاذ والمهندس والطبيب والقاضي... ومنا الأم والأب، غدا ستكون بين يديك أرواح الأبرياء وأعراضهم ومساكنهم ... فهي وديعة في عنقك، وانظر ما ستصنع!
     أخي الطالب،
احذر أن يجعلك الشيطان والنفس أكبر مغفل حين تنتظر غفلة المراقب، وتنسى أن رب المراقب لا يغفل، فلا تجعل الله أهون الناظرين إليك.
احذر أن تخرج للمجتمع وفي يدك ما ليس من حقك، فستسأل عنه لا محالة
احذر أن تخرج من الدنيا وفي صحيفتك مثقال حبة من ظلم أو خيانة أو مكر وخداع... فإن كانت حقوق الله مبنية على المسامحة، فحقوق العباد مبنية على المشاحّة.
      

وخلاصة القول والمقال، بالغش ضاع المروءات، بالغش ضاعت الاخلاق، بالغش ضاعت الأمانات، بالغش ضاعت العبادات، بالغش ضاع الدين وبه كذلك ضاعت الأخرة، وهل بعد ضياع الاخرة من ضلال، كنا خير أمة أخرجة للناس، بشرط نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وهذا أجلّ منكر أمامنا أخي طالب العلم، بمشروعية التناصح ونصرة الإخوان فـ"الدين النصيحة" و"النصرة واجبة"، من هذا الباب أبصرنا واجب التناصح والتناصر، وأحسسنا ثقل الأمانة، فإياك، وإياك أن تخون العهد والله من وراء القصد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


يوم: الثلاثاء 1-05-2017