يعاني المجتمع المغربي والجامعة المغربية عدة مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية وتنظيمية، ولتجاوز هذا الوضع، استفاد الإنسان المغربي من  آلية لتنظيم شؤونه واختيار من يمثله ويدافع عنه، سماها " الإنتخابات"، لكن هذه الآلية تختلف من مكان إلى مكان، وتتباين الأراء حولها من فاعل إلى فاعل، فهي مهزلة هنا ومفخرة هناك، ومفخرة هنا ومهزلة هناك؛ فمدام الإنسان في المغرب، فلا داعي أن يستغرب. ولمناقشة هذا الموضوع، سأقاربه من زاويتين، زاوية المجتمع وزاوية الجامعة.

 

أولا: الإنتخابات في المجتمع.

 

تعد الإنتخابات في أي مجتمع هي الوسيلة الوحيدة الممكنة الإعتماد عليها في تمثيلية المواطنين داخل مؤسسات الدولة، والترافع على مشاكلهم وانشغالاتهم.

وفي المغرب اعتمد الإنسان هذه الوسيلة منذ الستينات، إلا وأنها لا تعبر عن الشعب، فالنظام المغربي يُسوَق فقط لنفسه بأنه ديمقراطي، لكنه لا يعتبر المنتخب أمام المعيَن، إذ يبقى المخزن هو الذي يحكم، وأن السلط كلها في يد واحدة، فلا يمكن تغيير الأوضاع إلا إذا حررنا هذه السلط من قبضة الإستبداد، وإعطاء الكلمة للشعب، فالتغيير يبدأ من رأس الهرم وليس القاعدة؛ فالدولة من خلال كل انتخابات تحاول أن تقنع المجتمع الدولي بأن نسبة المشاركة مرتفعة، وأنها وفرت كل الشروط والإمكانات ليمر يوم الإقتراع في أبهى حلة دون توجيه المنتخبين لجهة ما.

 

ثانيا: الإنتخابات في الجامعة.

 

قبل أن أتطرق إلى سيرورة الإنتخابات داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب(أوطم)، لا بأس أن أتحدث قليلا حول الأزمة الطلابية.

فالحركة الطلابية المغربية شهدت منذ عهد الاستعمار الأجنبي عدة صيغ وتعبيرات تنظيمية، شكلت إجابتها على تحديات المراحل التي مرت بها، وتفاعلها مع الأوضاع المحيطة بها وكذا تعاطيها مع تطوراتها الذاتية.

وقد عقد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب منذ تأسيسه سبعة عشر مؤتمرا، ومرت عليه مرحلتان من الفراغ التنظيمي، الأولى (72 ـ 78) كانت بفعل حظر قانوني، والثانية (81 ـ إلى يومنا هذا) تداخلت فيها العوامل الذاتية بالعوامل الموضوعية، تسمى ب"الحظر العملي"؛ ومر عليها لحد الآن ما يناهز ثلاث عقود، طيلة هذه المرحلة، تقدمت جل المكونات الطلابية بعدة مشاريع ومبادرات للخروج من حالة الأزمة التنظيمية، إلا أن هذه الأخيرة ماتزال مستمرة، وتفرض معالجة عميقة وجذرية تضمن استعادة الحركة الطلابية المغربية لقوتها وفعاليتها. من هذه المشاريع نجد مشروع " الإنتخابات داخل أوطم" من أجل الهيكلة التنظيمية، هذا المشروع شارك فيه الفاعل وقاطعه أخر، كما يشارك البعض في المجتمع ويقاطع البعض.

-        المقاطعون لإنتخابات أوطم.

 للفصائل المقاطعة المحسوبة على اليسار في التسعينات عدة أسباب ومرتكزات بعدم المشاركة في انتخابات " أوطم". يمكن إجمالها في عدم توصلها لتوافق حول عملية الهيكلة أولا وفي رواسب مرحلة العنف الطلابي، المتمثلة في رفض بعض المكونات لأي إمكانية للتعامل أو العمل المشترك مع الفصائل المرتبطة بمكونات الحركة الإسلامية ثانيا، دون نفي حضور أبعاد إيديولوجية وسياسية عن هذا الموقف ثالثا، كما أن ضعف قاعدة عدد من المكونات المقاطعة وعزلتها الجماهيرية يجعل مشاركتها ليست إلا نوعا من التزكية دون الاستفادة من أي حصيلة رابعا، ولعل تجربتي الحوار الفصائلي 90 – 91 وتجربة 94- 95 توضح ذلك ، وإن كانت التجربة الأولى استطاعت أن تحقق قدرا من المنجزات على أرض الواقع فإن الثانية بقيت حبيسة الكواليس ولم يتحقق حتى التوافق على برنامج ومشروع موحد للهيكلة داخلها.

-      المشاركون في الانتخابات.

كان فصيل طلبة  العدل والإحسان والوحدة والتواصل هما المشاركون بقوة، مع شيء من التفاوت، وكانت مرتكزاتهما على تجاوز أزمة أوطم رهين ببناء أجهزتها، وأن التنظيم ورفض الفوضى شرط للنهوض الطلابي كما أن اللجان الانتقالية هي مرحلة أملتها ظروف حداثة التجربة رغم أنها مشروع ارتبط باليسار. وأخيرا فإن الهيكلة على أرضية المؤتمر 16  تفرضها الحاجة إلى هياكل قانونية، تضبط العلاقات بين المكونات بالرجوع إلى مقرراته باعتباره أخر مؤتمر ناجح؛ وتيسر العلاقة مع الإدارات الجامعية وتقوي الموقع النضالي والتفاوضي للهياكل في وجه الإدارة وأيضا تنقل مشاركة الطلبة إلى مشاركة واضحة ومسؤولة عبر اعتماد آليات الاقتراع الموسع ووضوح طبيعة المرشحين (طلبة الفصائل/المستقلين). فهذه العناصر تمثل جوهر الموقف الداعي للهيكلة على أرضية المؤتمر 16، ودون إغفال مصداقيتها وحضورها في عملية الهيكلة، إلا أن هذا لا يمنع من كون هذه العناصر تبقى في محصلة التجربة عناصر ثانوية بخلاف العناصر المسكوت عنها والمرتبطة بما هو سياسي حزبي، كما أن صوابية انطلاقة التجربة لا تعني البتة سلامة نتائجها، حيث انسحب فصيل طلبة الوحدة والتواصل في 1998، مما يدل على وجود أزمة كذلك بين الفصائل المشاركة.

هذه الانتخابات الطلابية التي يشارك فيها الجميع وممثلة فيها مختلف المشارب، تعد من الإنجازات الكبرى للنقابة الطلابية، حيث تنجز الإنتخابات في معظم الجامعات والكليات، وأسست الهياكل المحلية والوطنية، وصارت التنسيقية الوطنية يُضرب بها المثل الأعلى، لأنها تعطي للطالب حقه في الإختيار والنقذ، وهي مستقلة على كل تيارات المجتمع، وبهذه الوسيلة سنحارب الفساد والترافع عن المشاكل الطلابية أمام المسؤول.

رأيي في الانتخابات المجتمعية والأوطمية.

لا شك أن معارفي يعرفون موقفي من كل هذه الأمور، فقد يصابون بالصدمة إذا أسقطوا عليَ ماكتبته في الأسطُر المكتوبة أعلاه؛ فالإنتخابات المجتمعية تعد عندي الوسيلة الممكنة لتمثيل الشعب داخل مؤسسات الدولة، وأن الإنتخابات والعمل السياسي بصفة عامة مدخل من مداخيل محاربة الفساد، والعمل السياسي هو تراكم ونتيجة المشروع العام الذي يتبناه هذا الذي يريد أن يُصلح، فرغم ما يمكن أن يقال عنها، فمحاربة الفساد في ظل الإستقرار، خير من عدم وجود الفساد بلا استقرار، وإذا شاركنا بقوة واتحد المُصلحون داخل المؤسسات سيُهزم المفسدون، فلا يمكن لفساد منظم أن يواجهه صلاح مبعثر. فالبناء بالتدرج، والتدرج من القاعدة إلى الأعلى، وإصلاح النفس ثم المجتمع أولى من إصلاح الدولة، فالدولة ليست إلا نتيجة أفراد المجتمع، فإذا صلُح الأفراد صُلحت الدولة، وإذا كان العكس فالدولة بالمثل.

أما بخصوص الإنتخابات داخل الإتحاد الوطني لطلبة المغرب، فالمقصد خير وطروقه شر، ولا يمكن للشر أن يعطي الخير، فبكوني ناشط طلابي تتبعت بعض مراحل الإنتخابات داخل الجامعة، فأقل ما يمكن قوله عنها بأنها غير ديمقراطية، فلا يمكن بالغير الديمقراطي أن يدمقرط شيء، فكيف بالإنتخابات يُشارك فيها فصيلا وحيدا وينظمها أن تكون ديمقراطية، وليست هناك ظوابط للمصوتين أن لا يعيدوا تصويتهم مرة أخرى، إظافة إلى نسبة المشاركة التي لا تتجاوز 1 في المائة وأن الطلبة المستقلين يزعمون الإستقلالية وبعد فوزهم يصبحون منتمين، علاوة على ذلك وجود ثغرات عدة  في الإطار القانوني المنظم لعمل الهياكل من بينها:1 ـ حالة إقامة التعاضدية لأول مرة في غياب الخيار الثاني أي إشراف اللجنة التنفيذية.2 ـ الانتقال من مكاتب التعاضديات إلى مكاتب الفروع ثم من هذه الأخيرة إلى لجنة التنسيق الوطني صفة وصلاحية وكيفية تشكيل هذه اللجنة وأخيرا صلاحيات الهيئات التنفيذية المحلية في علاقتها بالهيئات التقريرية من مثل التعاضديات في علاقتها بالجموع العامة للمؤسسات، كما أن بنوده محط تأويلات قانونية متباينة يمكن الاقتصار فقط على السهر على التعاضديات على النشاط الثقافي بالمؤسسات أي شكل وحدود وطبيعة هذا السهر في علاقة وهيبة المؤسسات المنتخبة ومصداقيتها مقابل حرية المبادرة وحق مشاركة الجميع في تدبير الشأن، ثم طبيعة هذه الهياكل، هل لا زالت صالحة أم أنها تحتاج إلى التطور؟، فهذه المقررات كلها من المؤتمر 16، والتي انبثقت في ظل ضعف عدد الطلبة وقلة المؤسسات الجامعية، أما الأن فقد تضاعف العدد بكثير. وهذا طبعا يمكن تجاوزه إذا وقع تحول سياسي عند "جماعة العدل والإحسان"، فلا يمكن أن أعتبر 7 أكتوبر و25 نونبر وغيرها بمسرحية، وأنا في الجامعة أقوم بهذه المسرحية لمحاورة المسؤول المنتخب من طرف مسرحية "المخزن". فذات يوم كان نقاشي مع أحد الطلبة من هذا التيار الإستئصالي في نشاط وطني لمنظمة التجديد الطلابي ببني ملال، اعتبر أن انتخابات المخزن"مهزلة" وانتخابات التعاضديات "مفخرة".

فالإنتخابات في الجامعة لا يمكن إجراؤها بالشكل المعقول إلا ببناء الإتحاد الوطني لطلبة المغرب، وذلك عبر مؤتمر يُتفق عليه الأغلبية وتكون اللجنة المستقلة هي الساهرة عليه تحضيرا وتنزيلا بمشاركة ممثلي الفعاليات الطلابية إلى انتخاب لجنة تنفيذية جديدة، وهذا ممكن، إذا جلسنا للحوار الجاد والمسؤول واستحضرنا مصلحة الجامعة والطالب واعتبرناها فوق كل حسابات سياسية ضيقة.