كخطوة استحسنها الموظفون ولطالما انتظروها لما عانوه من حيف وإقصاء من متابعة دراستهم الجامعية، أصدر السيد رئيس الحكومة منشورا يلغي فيه إجبارية حصول الموظف على رخصة من إدارته حتى يتمكن من التسجيل في الجامعة ومتابعة دراسته مرتكزا في ذلك على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في ولوج الجامعات والكليات ومعاهد التكوين. فبالموازاة مع إيجابيات هذا القرار، يظل ما سيسفر عنه تنفيذه وتطبيقه على أرض الواقع وما يمكن أن ينتجه ذلك من انحرافات في الممارسة الإدارية لا يجب يعطى له أكثر منا يستحق وإغفال عدم حل هذا المنشور لجميع مشاكل الموظف في سعيه الحثيث للتحصيل العلمي.

 

وإذن، ورغم إلغاء الزامية الحصول على ترخيص الإدارة لموظفيها بمتابعة الدراسة من قبل رئيس الحكومة، فمعاناة الموظف مع رؤسائه وإداراته والجامعات قد تستمر ولكن بشكل مخالف لما كانت عليه. فمعاناته قد تستمر على صعيدين: من جهة، لنفترض أنه نجح وتمكن من التسجيل في الجامعة( إجازة أو ماستر أو دكتوراه) دون الحاجة لرخصة من إدارته، فرئيسه المباشر يستطيع أن يضغط عليه ويمارس عليه كل أشكال التضييق ليثنيه على الإستمرار في دراسته أو يشوش عليه عبر مراقبة حضوره وتسجيل غيابه وتفعيل مسطرة الغياب في حقه وإغراقه بالملفات التي يجب أن ينهيها في أوقات الإمتحانات وغيرها من الأمور التي تمارس في الإدارات العمومية ضدا على طموح وإرادة الموظف.

 

وبالتالي فمنشور السيد رئيس الحكومة، صحيح ألغى إجبارية التوفر على الرخصة لمتابعة الدراسة، أي أن الموظف يستطيع الاسجيل في الجامعة دون الحاجة لها، ولكنه لم يلغي مسطرة الغياب والعقوبات المفروضة في حالة تغيب الموظف وهو أمر منطقي، وبالتالي فللإدارة كامل الصلاحيات في تتبع تغيب وغياب موظفيها وتفعيل كل المساطر التي تخول لها إنزال العقوبة على المتغيبين.

 

ما يزيد من قابلية تطبيق هذا التضييق هو عدد الساعات التي يسمح بها القانون لكل موظف يتابع دراسته في الجامعة والتي لا تتعدى ثلاث ساعات غياب في الأسبوع، وهنا أطرح السؤال التالي والذي سيقودنا للصنف الثاني من المعاناة التي يجب على الموظف تجاوزها في مساره الدراسي: – هل ثلاث ساعات تكفي الموظف لمسايرة الكم الهائل من المواد والساعات التي تفرضها الدراسة الجامعية وأنظمتها والتي تتجاوز ثلاث ساعات المسموح بها بكثير؟

 

وهنا تبدأ المعاناة الثانية التي تتخذ كموضع لها الجامعة، فصرامة بعض الأساتذة ونظام الدراسة في الجامعة يفرض على الطالب إجبارية الحضور وعدم التغيب أكثر من عدد معين من الحصص حسب الجامعة والأساتذة كل حسب مزاجه ونظامه الخاص مما قد يدفع الجامعة للجوء إلى حل قد يكون إقصائيا منذ البداية وذلك باستبعاد الموظفين منذ أولى مراحل التسجيل وهذا موضوع أكبر بكثير مما أصدره السيد رئيس الحكومة ويرتبط بالحكامة في تدبير الجامعات على أساس تكافؤ الفرص والإستحقاق.

 

وبالتالي فإلغاء الترخيص يعتبر خطوة مهمة في طريق المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المغاربة في متابعة دراستهم الجامعية ولكنه لا يكفي لأن ذلك ستكون له تبعات على العلاقة الثلاثية بين الموظف الطالب وإدارته والجامعة ولا يمكن تقييم الخطوة إلا بعد تتبع تنفيذها وتطبيقها على أرض الواقع ورصد الممارسات التي ستعقب ذلك في قادم الأيام لأن الموظف قد يعاني من غطرسة الإدارة وتضييقها من جهة وقد تلزمه الجامعة بالحضور تحت طائلة الطرد إن تجاوز تغيبه الحد المسموح به أو هما معا.

 

فلا تتسرع أخي الموظف وتقول بأن جميع مشاكلك مع الإدارة بخصوص متابعتك للدراسة قد حلت بعد منشور السيد رئيس الحكومة وتوخى الحذر في تعاملك مع إدارتك لأن التضييق عليك وممارسة كل أشكال الضغط من المحتمل استمرارها كما كانت أو أكثر اللهم إلا إذا كانت إدارتك ورئيسك المباشر من النوع الذي يتفهم طموحك ويثق في قدراتك على التوفيق بين الدراسة والعمل وهو أمر تمت ملاحظته حتى قبل صدور هذا المنشور.